محمد علي الأشيقر
93
لمحات من تاريخ القرآن
الآن أن يكون في مستوى المهمة التي أوكلت له ، وأن كل الذي حصل له في سواد يومه لم يكن من خيالات النفس وأوهام اليقظة بل الحقيقة الواضحة والواقع الجلي وضوح الشمس وجلاء النور لذي عينين . . . جاء النبي ( ص ) بعد كل هذه الأحداث المتتابعة إلى داره من أقصر الطرق ، ومن دون أن يعرّج أو يمر بأحد وحال وصوله إلى أرض الدار يلقي بنفسه إلى حجر زوجته خديجة بنت خويلد « 5 » طالبا منها أن تدثره على الفور ، فما عتمت هذه الزوجة البارة أن لمست من خلال قسمات جبين زوجها أن شيئا جديدا قد حدث له في يومه هذا ، فقادها تفكيرها إلى أن أمرا خطيرا قد كلف زوجها ( ص ) به ، ولكن - يا ترى - ما هو حقيقة كل ذلك حيث لا أحد يعرف سر ذلك إلا شخص واحد فقط على وجه البسيطة وهو زوجها ( ص ) . . لذا استجمعت قواها وصممت على الوقوف على حقيقة الأمر ، فاقتربت منه ( ص ) وسألته عما شاهد أو سمع في سحابة يومه ، ولكنه ( ص ) طلب منها التريث قليلا ليقصّ عليها بعد حين حقيقة الوحي الذي نزل عليه والرسالة التي كلف القيام بها والبيان الأول الذي سمعه لتوه . . وبعد صمت مطبق خيّم على أرجاء الغرفة اثر نقل حركة الدعوة الإسلامية إلى أسماع المرأة التي أصبحت المسلمة الأولى في التاريخ ، فإذا بها تجيب زوجها بكلام يطمئن قلبه ويبعث فيه السكينة والهدوء بقولها : « كلا واللّه ما يخزيك اللّه أبدا ، انك لتصل الرحم وتحمل الكل
--> ( 5 ) خديجة بنت خويلد ( الكبرى ) هي الزوجة الأولى للرسول ( ص ) حيث تزوجها بعد وفاة زوجها وعمرها ( 40 ) سنة بينما كان عمر الرسول ( 25 ) سنة ، ولم يتزوج الرسول عليها حتى انتقالها إلى جوار اللّه تعالى ، ولأموالها - رحمها اللّه - دخل كبير في انتصار الإسلام ونشر رسالته حتى قيل في الأمثال : لم يقم للإسلام قائمة إلا بكفاح النبي ( ص ) وأموال خديجة وسيف علي - ع - وكانت أول مسلمة في الإسلام ، توفيت في السنة التي توفي فيها أبو طالب عم النبي فكان عاما للأحزان ونكسة للمسلمين وهي السنة الثالثة قبل الهجرة . .